ابن قيم الجوزية

575

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومراد القوم بالمكاشفة : ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين . فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلا . وهذا نهاية الإيمان . وهو مقام الإحسان . وقد يريدون بها أمرا آخر . وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم واليقظة عند أوائل تجرد الروح عن البدن . ومن أشار منهم إلى غير هذين : فقد غلط ولبّس عليه . وقال السري : اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك ، لتيقنك أن حركتك فيها لا تنفعك . ولا ترد عنك مقضيّا . وقال أبو بكر الوراق : اليقين ملاك القلب . وبه كمال الإيمان . وباليقين عرف اللّه . وبالعقل عقل عن اللّه . وقال الجنيد : قد مشى رجال باليقين على الماء « 1 » . ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا . وقد اختلف في تفضيل « اليقين » على « الحضور » والحضور على اليقين . فقيل : الحضور أفضل . لأنه وطنات ، واليقين خطرات . وبعضهم رجح اليقين . وقال : هو غاية الإيمان . والأول : رأى أن اليقين ابتداء الحضور ، فكأنه جعل اليقين ابتداء . والحضور دواما . وهذا الخلاف لا يتبين . فإن اليقين لا ينفك عن الحضور . ولا الحضور عن اليقين . بل في اليقين من زيادة الإيمان ، ومعرفة تفاصيله وشعبه ، وتنزيلها منازلها : ما ليس في الحضور . فهو أكمل منه من هذا الوجه . وفي الحضور من الجمعية ، وعدم التفرقة ، والدخول في الفناء : ما قد ينفك عنه اليقين . فاليقين أخص بالمعرفة . والحضور أخص بالإرادة . واللّه أعلم . وقال النهرجوري : إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة . والرخاء عنده مصيبة . وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : يقين خبر . ويقين دلالة . ويقين مشاهدة . يريد بيقين الخبر : سكون القلب إلى خبر المخبر وتوثقه به . وبيقين الدلالة : ما هو فوقه . وهو أن يقيم له - مع وثوقه بصدقه - الأدلة الدالة على ما أخبر به . وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن . فإنه سبحانه - مع كونه أصدق الصادقين - يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره . فيحصل لهم اليقين من الوجهين : من جهة الخبر ، ومن جهة الدليل . فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة . وهي « يقين المكاشفة » بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم . فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب : كنسبة المرئي إلى العين . وهذا أعلى أنواع المكاشفة . وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » وليس هذا من كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا من قول علي - كما يظنه من لا علم له بالمنقولات .

--> ( 1 ) لم يكن هذا من حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين . وهم أئمة المؤمنين الموقنين .